58يي0نادية الدباس-الكويت

"سأقاتل حتى آخر يوم في حياتي حتى يبقى هذا الأدب كويتيا"، بقي هذا شعار الكاتب والروائي الكويتي حقيقة، والبدون حكما، والكندي جنسية ناصر الظفيري حتى آخر يوم في حياته، إذ توفي يوم الأربعاء 20 مارس 2019 بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز الستين عاما في كندا حيث عاش سنواته الأخيرة.

ناصر المولود في محافظة الجهراء شمالي الكويت عام 1959، هاجر إلى كندا عام 2001 للحصول على جنسيتها، وقد حمل على عاتقه قضية غير محددي الجنسية "البدون" الذين ينتمي إليهم.

عمل الظفيري بجريدة الوطن الكويتية على مدار عشرين عاما بعد أن تخرج في كلية الهندسة بجامعة الكويت، لكن حبه للأدب دفعه للحصول على بكالوريوس الأدب الإنجليزي ثم درجة الماجستير في تخصص اللغويات.

وما إن انتشر نبأ وفاته حتى نعاه عدد كبير من المثقفين والكتاب والشعراء الكويتيين والعرب، كما عجت مواقع التواصل الاجتماعي بوسوم عبر فيها المغردون الكويتيون والبدون على حد سواء عن حزنهم لوفاته، حيث تصدرت موقع تويتر وسوم كان هو محورها ومادتها مثل #وداعا_ناصر_الظفيري و #ناصر_الظفيري_في_ذمة_الله.

التغريدات كانت مشحونة بمزيج من التعاطف والأسى لرحيل ناصر الظفيري، وفيها استذكر أصحابها أقواله التي تغنى فيها بحب الكويت ومنها أن "الانتماء لهذه الأرض ليس مرتبطا بورقة أو مادة في قانون الجنسية، ‏الانتماء لهذا الوطن هو شعور وإحساس لا يملك أحد منازعتنا فيه".

كما أعاد المغردون تداول التغريدة الشهيرة للظفيري التي يقول فيها "الكويت أحببتها ولم أتزوجها، وكندا أحبتني وتزوجتها، أحب الكويت أكثر من كندا، وتحبني كندا أكثر من الكويت! هذا تعريفي الجحيم".

وفاء للكويت

القاص الكويتي عبد الوهاب سليمان الذي جمعته صداقة قوية بالروائي ناصر الظفيري منذ تسعة أعوام بعد أن كان قارئا نهما لرواياته، روى -للجزيرة نت- مدى حب الظفيري ووفائه للكويت التي حرص على زيارتها سنويا في شهر نوفمبر/تشرين الثاني تحديدا حيث موعد إقامة معرض الكتاب الدولي، وكان يعتبرها فرصة للقاء أكبر عدد ممكن من الأصدقاء والمثقفين على هامش المعرض.

واعتبر عبد الوهاب أن الظفيري صاحب مشروع إنساني، كما عده بمثابة ضحية لمسألة الهوية والمواطنة والجنسية، وكان هذا دافعه نحو تكريس مشروعه الروائي لهذه القضية دون التنازل عن جماليات الفن الروائي، ولعل المثال الأبرز هي "ثلاثية الجهراء" التي انتهت بروايته الأخيرة الصادرة عام 2018 بعنوان "المَسطَر"، في حين أن الرواية الأولى كانت "الصهد" وصدرت عام 2013، والثانية "كاليسكا" وصدرت عام 2015.

ويلخص عبد الوهاب هذه الروايات الثلاث في أنها تسلسلت بداية في سرد النشأة التاريخية لتشكل قضية البدون، ومن ثم عمل الظفيري على معالجة قضية علاقة الفرد بالسلطة وانتهاء بالاستدلال أنه لا حل لقضية البدون سوى الهجرة عبر شخصية أطلق عليها اسم "رومي الرومي" التي اغتنمت أول فرصة للبحث عن الهوية ليصبح إنسانا آخر عند حصوله على جنسية أجنبية بعيدة عن وطنه الأم.

ويقول عبد الوهاب إن الحس الأدبي لناصر انطلق إبان دراسته في الثمانينيات بجامعة الكويت، حيث شكل مجموعة أدبية من زملائه الكويتيين والبدون والعرب أصبح كثير منهم فيما بعد مشهورين في بلدانهم.

هذه المجموعة كانت لا تكتفي فقط بمناقشة قراءاتها فيما بينها، وإنما تكتب أيضا نصوصا وتلتقي أسبوعيا مع الأساتذة في الجامعة فضلا عن الكتاب والأدباء.

وخلال السنوات الأخيرة، واظب الراحل الظفيري على الكتابة بشكل منتظم في صحيفة "الجريدة" الكويتية، كما أن له روايات عدة من بينها "سماء مقلوبة" و"أغرار"، إلى جانب مجموعات قصصية عديدة منها "وليمة القمر" و"أبيض يتوحش".

ليلة العمر

تروي سعدية بدموع منهمرة -للجزيرة نت- قصة الصداقة التي جمعتها بناصر منذ نعومة أظفارهما، فهو كان جارها وصديق إخوتها وتوطدت العلاقة بينهما عندما كانت فردا في المجموعة الأدبية التي شكلها في الجامعة.

وتقول إنها بعدما أخبرها ناصر بتمكن المرض منه تولت التنسيق مع أصدقائهما لتحضير مفاجأة له، فجمعوا الدراسات والمقالات المتناثرة على صفحات الصحف والمجلات، وفي المواقع الإلكترونية المختلفة الخاصة بناصر، وقدموا الكتاب له في حفل أقاموه وحضر إليه خصيصا من كندا، واعتبر تلك الليلة من أجمل الليالي، بل قال إنها "ليلة العمر".

وبعد التخرج أصبح ناصر شريك نجاحاتها، حيث عملا سويا في مكتب واحد في صحيفة الوطن، وجمعتهما الظروف نفسها "قضية البدون" والتجربة نفسها، ولهذا كان يعدها الأقدر على فهمه، ومن هنا طلب منها أن تكتب مقدمة روايته "سماء مقلوبة"، واحتفظت بقصاصاته الورقية ومسودات كتاباته التي كان دائما يخطها بقلم رصاص.

وعندما قرر الظفيري الرحيل إلى كندا جاء ليودعها، فحاولت ثنيه بعبارة "أنت بالذات معجون بتراب الجهراء" فهذا وطنك فكيف تستطيع أن تغادر وطنك؟ لكنه والدموع تنساب على خديه رد بأنه يبحث عن مستقبل لأبنائه، ولن يرضى لهم المرور بالمعاناة التي عاشها.

تؤكد المفرح أن الظفيري لم يكتب أبدا عن حياته الجديدة في كندا، رغم إلحاحها المستمر عليه بذلك، لكنه أبى إلا الكتابة للكويت وعن الكويت، وتشير إلى أن قضية البدون تجلت في أدبه أكثر بعد مغادرته للبلاد، لأنه بات يرى المشكلة بشكل أوضح على الضفة الأخرى من المحيط.

وعندما تمكن المرض منه قبل نحو ثلاثة أعوام، عاد ليخبرها بندمه على مغادرة أرض وطنه وزرع أبنائه في أرض جديدة.

وعبرت سعدية عن أسى وألم يعتصرها لعدم تمكن ذويه من تحقيق رغبته في أن يدفن بأرض الكويت، لكنها عادت لتعزي نفسها بالقول إن روح ناصر ستظل ساكنة ومعلقة بأرض الكويت إلى الأبد، حتى لو دفن بعيدا.

كثير من الشعراء والمثقفين البدون من جيل ناصر وسعدية لهم بصمة في الحياة الأدبية الكويتية، من هؤلاء الشاعر محمد النبهان الذي غادر الكويت أيضا للحصول على الجنسية الكندية لكنه لم يستطع البقاء بعيدا عنها حيث عاد وأنشأ دارا للنشر.

وهناك أيضا سليمان الفليح وسليمان المانع والشاعر دخيل الخليفة والكاتب القصصي جاسم الشمري، جميعهم أثروا الحياة الأدبية الكويتية.

ولن تستطيع الكويت والكويتيون نسيان "المعلم" و"أبو الرواية الكويتية"، و"عميد الرواية"، وغيرها من ألقاب أطلقها المحبون والنقاد والمبدعون على الراحل إسماعيل فهد إسماعيل الذي ما فتئ يقول عن نفسه "عشت في العراق فكانوا يعتبرونني كويتيا، وعشت في الكويت فكانوا يعتبرونني عراقيا".


المصدر : الجزيرة

 

عمارة

حوارات